اقتصاد

حكاية 1.7 مليار دولار تدفقات أجنبية جذبتها مصر في 4 أيام فقط

كتب- مصطفى عيد ومنال المصري:

جذبت مصر حوالي 1.7 مليار دولار تدفقات من النقد الأجنبي، خلال أربعة أيام عمل، فقط، من يوم الأربعاء الماضي وحتى مساء أمس الاثنين، وهو ما ساهم في تقوية الجنيه المصري أمام الدولار، وفقا لما ذكره البنك المركزي المصري في بيان رسمي أمس.

وقال المركزي، إن موارد البنوك من النقد الأجنبي شهدت زيادة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، وخاصة من استثمارات صناديق النقد الأجنبي في الأسواق المالية المصرية.

النقد الأجنبي الذي يدخل مصر عادة يكون من 6 مصادر أساسية وهي الصادرات، وإيرادات السياحة، وتحويلات المصريين في الخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، وإيرادات قناة السويس، وأخيرا استثمارات الأجانب في الأسواق المالية، وهي التي شهدت زيادة ملحوظة على وجه الخصوص في الأيام الأخيرة.

استثمارات الأجانب في الأسواق المالية وأدوات الدين الحكومية، تسمى استثمار أجنبي غير مباشر، ويطلق عليها أحيانا “الأموال الساخنة”، حيث أنها تدخل للأسواق سريعا، لكن خطورتها أنها يمكن أن تخرج سريعا أيضا مع أي توترات داخلية أو خارجية.

وساهمت التدفقات الكبيرة من صناديق الاستثمار الأجنبية في أدوات الدين الحكومية في خفض سعر صرف الدولار أمام الجنيه، حيث فقد متوسط سعر الدولار نحو 14 قرشا حتى نهاية تعاملات أمس الاثنين، مقارنة بمستواه يوم الأربعاء، ليصل إلى نحو 15.87 جنيه للشراء، و15.97 جنيه للبيع.

كيف أثرت هذه التدفقات على سعر الدولار في الأيام الأخيرة؟

تؤثر تدفقات النقد الأجنبي بشكل مباشر على أسعار الصرف من خلال زيادة السيولة من العملات الأجنبية في البنوك، وطرح كل بنك ما لديه من فائض لبيعها للبنوك الأخرى من خلال سوق ما بين البنوك “الإنتربنك”، وهو ما يزيد المعروض من الدولار، وبالتالي ينخفض سعر الصرف الذي أصبح خاضعا لسياسة العرض والطلب منذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016.

وكانت تدفقات العملات الأجنبية من خلال استثمارات الأجانب في الأسواق المالية خاصة في أذون وسندات الخزانة بالعملة المحلية لا تؤثر بشكل مباشر في أسعار الصرف، قبل الخامس من ديسمبر 2018، والذي بدأ فيه إلغاء العمل بآلية البنك المركزي لتحويل أموال المستثمرين الأجانب.

وكان المستثمرون يدخلون للاستثمار في أدوات الدين من خلال هذه الآلية قبل إلغائها، وكان البنك المركزي يجنب معها جزءا كبيرا من المبالغ الداخلة من خلالها في حساب خاص، ولا يتم ضخها في السوق وبالتالي لا تؤثر في سعر الصرف إلا ربما من خلال جزء صغير كان يدخل من خلال البنوك.

ولكن مع إلغاء الآلية أصبح على الأجانب الراغبين في شراء أسهم وسندات وأذون خزانة مصرية، الدخول والخروج من خلال سوق الصرف بين البنوك “الإنتربنك”، وبالتالي أصبحت هذه المبالغ تؤثر بشكل مباشر في المعروض من النقد الأجنبي، وبالتالي سعر الصرف مع تطبيق نظام التعويم.

وبالفعل شهدت أسعار الدولار أمام الجنيه منذ نهاية 2018 وحتى الآن، تراجعا وصل إلى نحو جنيهين، بنسبة نحو 11%، وكلما كان يحدث تسارعا في وتيرة الانخفاض كان يتزامن ذلك مع تصريحات من مسؤولين بالقطاع المصرفي عن زيادة ملحوظة في تدفقات الأجانب المستثمرين في أذون وسندات الخزانة.

لماذا تجذب مصر هذه التدفقات رغم الاضطرابات الأخيرة في المنطقة؟

قال مصدر مسؤول في البنك المركزي، لمصراوي، في تصريحات سابقة، يوم الخميس الماضي، إن مصر تجذب استثمارات أجنبية كبيرة، في أدوات الدين الحكومية، رغم التوترات والأحداث السياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما دعم سعر صرف الجنيه.

وشهدت الأيام الأخيرة اضطرابات عسكرية في منطقة الشرق الأوسط بعد مقتل القائد العسكري الإيراني البارز قاسم سليماني في ضربة جوية أمريكية بالقرب من مطار بغداد بالعراق، وهو ما أعقبها بأيام هجمات صاروخية إيرانية على قواعد عسكرية أمريكية بالعراق لم تخلف خسائر بشرية، ولكن الطرفين اتجها للتهدئة بعد ذلك.

وتعود جاذبية مصر للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة بشكل أساسي، إلى الفائدة المرتفعة التي تقدمها للمستثمرين الأجانب، وهو ما يحقق لهم عوائد جيدة لا تتوفر لهم في أسواق أخرى.

كما أن الأجانب يقبلون على أدوات الدين الحكومية، بفضل الاستقرار السياسي الذي تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة، وتحسن مؤشرات الاقتصاد المصري في الفترة الماضية، والإصلاحات التي نفذتها الحكومة ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والذي انتهى في نوفمبر الماضي.

وبحسب وكالة بلومبرج، قال محمد أبو باشا المحلل ببنك استثمار هيرميس، إن الجنيه المصري لا يزال يحظى بجاذبية الاستثمارات الأجنبية بفضل العائد الحقيقي المرتفع.

وأشارت الوكالة إلى أن ارتفاع سعر العملة المحلية قد يعكس دخول المستثمرين للسوق للاستفادة من العائدات المرتفعة قبل خفض متوقع لأسعار الفائدة يوم الخميس.

وقفزت الطلبات على أذون وسندات الخزانة المصرية في المزادات الأخيرة، لتصل يوم الخميس الماضي وحده إلى 85 مليار جنيه (نحو 3.5 مليار دولار)، بحسب آلان سانديب رئيس قسم البحوث ببنك استثمار نعيم.

وتكمن جاذبية أدوات الدين الحكومية المصرية في أن الفائدة الحقيقية التي تقدمها للمستثمرين الأجانب مغرية للاستثمار، مقارنة بنظيرتها في الدول المنافسة، إلى جانب التخوف من حدوث خفض جديد لأسعار الفائدة خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي يوم الخميس المقبل.

والفائدة الحقيقية هي معدل الفائدة المعلن من البنك المركزي أو التي تدفع على أدوات الدين مطروح منها معدل التضخم، حيث أن معدل التضخم المنخفض يمثل ميزة إضافية مع ارتفاع الفائدة.

وخفض البنك المركزي أسعار الفائدة بمجموع 4.5% خلال عام 2019، ليصل إجمالي الخفض خلال العامين الماضيين إلى 6.5%، ليصل إلى 12.25% للإيداع، و13.25% للإقراض.

ولكن الأذون والسندات المصرية لا تزال تقدم عائدا حقيقيا مرتفعا مع التراجع الكبير في معدلات التضخم في الشهور الأخيرة رغم ارتفاعها في ديسمبر الماضي إلى مستوى 6.8% لإجمالي الجمهورية، و7.1% في المدن.

وتبحث لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي يوم الخميس المقبل، مصير الفائدة، في أول اجتماع لها بتشكيلها الجديد والذي أقره مجلس إدارة البنك المركزي، وذلك بعد أيام من صدور قرار جمهوري بالتشكيل الجديد لمجلس الإدارة برئاسة طارق عامر محافظ البنك.

وقال تامر يوسف رئيس قطاع الخزانة في أحد البنوك الخاصة، لمصراوي، يوم الأحد، إن زيادة الإقبال بين المستثمرين الأجانب على شراء أدوات الدين المحلية ترجع إلى رغبتهم في الحصول على سعر فائدة مرتفع قبل اجتماع لجنة السياسة النقدية الخميس المقبل، والذي يتوقع بعض المحللين والمصرفيين أن يتم خلاله خفض أسعار الفائدة.

وباع البنك المركزي يوم الأحد أذون خزانة بقيمة 16 مليار جنيه لأجلي 3 أشهر، و9 أشهر، وذلك بعد تلقيه طلبات تجاوزت قيمتها 51 مليار جنيه خلال العطاء الذي شهد انخفاضا لسعر الفائدة.

وكشفت بيانات البنك المركزي المنشورة على موقعه الإلكتروني، يوم الأحد، عن أن سعر الفائدة على عطاء أذون الخزانة سجل انخفاضا اليوم بنسبة تراوحت بين 0.255% و0.275%.

وتراجعت الفائدة إلى 14.548% على أذون لأجل 91 يوما (3 أشهر) وذلك مقابل 14.823% في العطاء السابق، كما انخفضت الفائدة إلى 14.572% على أذون الخزانة لأجل 266 يوما (لأجل 9 أشهر) بدلا من 14.827% بالعطاء السابق.

الحساب الجاري وإيرادات السياحة عوامل مساعدة

ووفقا لبلومبرج، قال بنك استثمار هيرميس، إن تراجع عجز الحساب الجاري، وزيادة إيرادات السياحة يضيفان إلى زيادة جذب العملة المحلية، ويدعمان وجهة النظر الإيجابية للجنيه المصري.

وتراجع عجز حساب المعاملات الجارية بقيمة 629.8 مليون دولار، ليقتصر على نحو 1.4 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2019-2020، مقابل 2 مليار دولار في الفترة المقابلة من العام الماضي، بحسب بيانات البنك المركزي.

وارتفعت إيرادات مصر من السياحة خلال الربع الأول من عام 2019-2020 بنسبة 6.7%، لتسجل نحو 4.2 مليار دولار مقابل نحو 3.9 مليار جنيه في نفس الفترة من العام السابق، وهي تعتبر أعلى إيرادات فصلية في تاريخ السياحة بمصر، والمرة الأولى التي تتجاوز فيها مستوى الـ 4 مليارات دولار، بحسب تحليل لمصراوي لبيانات المركزي.

هل يستمر تراجع الدولار؟

يتوقع بنك سوستيه جنرال أن يسجل الجنيه ارتفاعا بنسبة 3.7% خلال عام 2020، ليصل سعر الدولار بنهاية العام إلى مستوى 15.35 جنيه.

ولكن آلان سانديب ربط ذلك بطريقة سداد التزامات مصر من الديون الخارجية، حيث رجح أن يتم تجديد الودائع والتسهيلات الخليجية من هذه الالتزامات، وهو ما قد يقوي من الجنيه بشكل أكبر، أو يبقيه في حدود مستوى 15.75 جنيه للدولار.

اقرأ أيضًا:

بلومبرج تتوقع مزيدًا من الارتفاع للجنيه المصري في الأيام المقبلة



الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock